يؤكد خبراء الصحة أن آثار الصدمات النفسية لا تختفي تلقائيًا مع مرور الوقت، بل قد تبقى في جسم الإنسان لسنوات حتى مع محاولة العقل تجاهلها. يظل الجهاز العصبي في حالة تأهب كأن الخطر قائم، وهو ما يعبر عنه بتوتر جسدي مزمن وأحاسيس جسدية مفاجئة وردود أفعال انفعال قوي وشعور دائم بالاستنفار. كما يؤثر ذلك في جودة النوم والطاقة العامة ويقلل من القدرة على التعافي والعيش بشكل مريح.

بصمة التوتر في الجسم

تسجل التجارب المؤلمة في الجسم آثارها على الأجهزة العصبية والهرمونية والعضلية والمناعية، خصوصًا عندما تكون سلبية. يرى المختصون أن هناك ثلاث استجابات رئيسية للبقاء في مواجهة التوتر هي المواجهة والهروب والتجمّد، وهي آليات تعبير جسد عن وجود الخطر المستمر. حين يفشل الشخص في معالجة الحدث الصادم، يبقى الجهاز العصبي في حالة يقظة كأن الخطر قائم حتى وإن انتهى الحدث فعليًا. وقد تظهر آثار التوتر غير اللفظية في شكل توتر عضلي مستمر وأحاسيس جسدية مفاجئة وردود فعل عاطفية حادة وشعور دائم بالاستنفار.

كيف تتحول الصدمة إلى أعراض جسدية؟

يتحول التوتر غير المعالج إلى إرهاق مستمر في الجسم، ما يؤدي إلى صداع مزمن وآلام في الرقبة والظهر واضطرابات في الجهاز الهضمي. كما يزداد التعب وتظهر اضطرابات النوم وتفاقم أمراض المناعة الذاتية بسبب استمرار ارتفاع هرمونات التوتر مثل الكورتيزول والأدرينالين لفترات طويلة. وهذا التنشيط المستمر يجعل الجهاز المناعي أضعف وتتحول الطاقة إلى وضع البقاء بدلًا من التعافي والاستعادة.

يؤدي استمرار هذا الوضع إلى صعوبة الاسترخاء وتراجع القدرة على التحمل، كما يزداد الشعور بالتوتر مع وجود ضغوط إضافية وتقل الرغبة في النوم العميق والاستجمام، وتظهر علامات توتر تتكرر مع مرور الوقت حتى في فترات الهدوء.

متى تكون الأعراض نفسيًا لا جسديًا؟

تكون الإشارات النفسية أوضح عندما تتفاقم الأعراض خلال الضغوط العاطفية وتزداد حدتها بشكل يعبّر عنه بشكل غير متوقع، كما قد يتحسن الألم عندما يشعر الشخص بالأمان والاستقرار النفسي. من المهم أن تترافق الأعراض مع تقييم طبي شامل لاستبعاد أمراض جسدية محتملة قبل الربط بين الأعراض والعوامل النفسية. يجب أن يرافق التقييم وجود متابعة نفسية مناسبة في حال تأكد وجود عوامل مرتبطة بالتوتر والصدمات.

طرق التحرير والتعافي من التوتر

تكشف المصادر الصحية أن العلاج بالكلام وحده قد لا يكون كافيًا في بعض الحالات، وتُفضل أساليب تهدئة الجهاز العصبي وإعادة ضبطه تدريجيًا. تشمل هذه الأساليب تقنيات مثل التحفيز وتعديل المعالجة بحركة العين (EMDR) والعلاج السلوكي المعرفي الموجّه نحو الصدمات، إضافة إلى العلاج الجسدي (Somatic Therapy) واليوغا وتمارين التنفس العميق. وتهدف هذه الأساليب إلى مساعدة الجسم على إدراك أن التهديد قد انتهى واستعادة الإحساس بالأمان خطوة بخطوة.

يؤكد الخبراء أن التوازن بين العلاجات النفسية والبدنية يسهم بشكل فعّال في تخفيف توتر الجسم، مع التركيز على استعادة قدرة الشخص على التواصل مع جسده والشعور بالأمان المتدرج في الحياة اليومية.

تمارين بسيطة لإعادة ضبط استجابة التوتر

توصي الممارسات اليومية بمواقع محددة لدعم الجهاز العصبي، منها التنفس البطني البطيء والعميق الذي يخفّض مستويات التوتر بشكل واضح. كما يساعد التركيز على الإحساس بالجسم، مثل ملامسة القدمين للأرض، في زيادة الوعي الذاتي وتقليل الاستجابة التوترية. إضافة إلى ذلك، تُسهم تمارين التمدد الخفيفة والمشي المنتظم وتخصيص لحظات قصيرة يوميًا لملاحظة الإشارات الجسدية في تعزيز السيطرة على التوتر وتسهيل العودة إلى حالة الاسترخاء. تمتد هذه التمارين لتشجيع الناس على ربط التنفس بالطمأنينة الجسدية وتدريب العقل على قبول وجود فترة هادئة بعد التوتر.

شاركها.