تعرف أمراض القلب الخلقية بأنها مجموعة تشوهات هيكلية ووظيفية في القلب تكون موجودة منذ الولادة. وتؤثر هذه العيوب في حجرات القلب أو صماماتها أو الأوعية الدموية الكبرى وتتنوع في شدتها من عيب بسيط قد لا يسبب أعراض إلى عيب معقد يهدد الحياة. وتختلف هذه الحالات في الأعراض والاحتياجات العلاجية وفق النوع والشدة وتستلزم متابعة طبية دقيقة. وتحتاج العناية بها إلى فهم لأسبابها وطرق تشخيصها وخيارات العلاج المتاحة.
تنقسم أمراض القلب الخلقية إلى فئتين رئيسيتين حسب وجود الزرقة. فئة العيوب المزرقة تترافق مع زرقة الجلد نتيجة انخفاض الأكسجين في الدم وتضم رتق الرئة وتبدل وضع الشرايين الكبرى وشذوذ إبشتاين ورباعية فالوت وربط الصمام الثلاثي الشرف وجذع شرياني مشترك وعودة وريدية رئوية شاذة كاملة. أما العيوب غير المزرقة فتشمل عيب الحاجز البطيني وتضيق الصمام الأبهري وتضيق الأبهر وتضيق الصمام الرئوي وعيب القناة الأذينية البطينية والجسر العضلي. لا يصاحب بعضها زرقة عند الولادة لكنها تؤثر في تدفق الدم وتستدعي متابعة طبية دقيقة وعلاجاً مناسباً بحسب الحالة.
الأعراض الشائعة تختلف بحسب النوع والشدة، لكنها غالباً ما تشمل زرقة الجلد والشفتين والأظافر عند وجود نقص الأكسجين. كما قد يعاني الأطفال من صعوبة في التنفس والتعب أثناء الرضاعة أو في أثناء الجهود البدنية. وتظهر أحياناً نفخة قلبية قد تدل على تغيّرات في تدفق الدم داخل القلب، وتطرح مشاكل في النمو أو الوزن في بعض الحالات. وفي حالات أخرى يظهر تعب عام ونعاس مفرط نتيجة التأثير القلبي على الجسم.
لا يحدد معظم الحالات سبباً محدداً، ولكن قد ترتبط بعوامل جينية أو كروموسومية تسهم في تصميم بنية القلب. وتزداد مخاطر ولادة طفل مصاب في وجود أمراض لدى الأم مثل السكري أو السمنة أو تاريخ عائلي للعوائد القلبية. كما قد تلعب العوامل المرتبطة بتناول أدوية أثناء الحمل أو التدخين أثناء الحمل دوراً في حدوث العيب أو تفاقمه. إضافة إلى العوامل البيئية التي قد تسهم في الخلل البنيوي للقلب خلال التطور الجنيني.
قبل الولادة يجرى سونار روتيني وتخطيط صدى القلب الجنيني لتقييم بنية القلب ووظيفته مبكراً، وقد يتطلب الأمر فحوصاً إضافية عندما يشتبه بعيب معين. بعد الولادة يعتمد التشخيص على فحص سريري دقيق وقياس التأكسج النبضي لتقدير مستوى الأكسجين في الدم، كما يُستخدم تخطيط صدى القلب لتحديد نوع العيب وتقييم وظائف القلب. وتكمل الأشعة الصدرية والرنين المغناطيسي القلبي وتخطيط كهربية القلب وقسطرة القلب الصورة وتساعد في وضع خطة علاج مناسبة، بينما قد تؤكد الاختبارات الجينية الخلفية الوراثية في بعض الحالات. هذه الإجراءات معاً تتيح تحديد العيب بدقة وتوجيه التدخلات اللازمة حسب كل حالة.
خيارات العلاج
تختلف خيارات العلاج حسب النوع وشدته، فبعض الحالات لا تحتاج أكثر من متابعة دورية وإدارة دوائية بسيطة. قد يستخدم الطبيب أدوية مثل حاصرات بيتا أو مدرات بول وموسعات للأوعية لتخفيف الأعراض وتحسين التدفق الدموي. عند وجود عيب قابل للإغلاق أو صمامات يمكن تعديلها، يجرى إجراء قسطرة لإغلاق العيب أو استبدال الصمام، بينما قد تتطلب حالات أخرى جراحة قلب مفتوح لإصلاح الهياكل الأساسية. في حالات حرجة وغير قابلة للإصلاح قد يحتاج المرضى إلى زراعة قلب، كما يمكن استخدام أجهزة قابلة للزرع مثل منظم القلب ومقومات نظم القلب في إطار متابعة الرعاية القلبية المتقدمة.
المتابعة مدى الحياة
المتابعة مدى الحياة ضرورية عند المصابين بأمراض القلب الخلقية، حيث يحتاجون إلى زيارة منتظمة لطبيب قلب متخصص لتقييم التطور والاستجابة للعلاج. كما يجب الالتزام بالعلاجات الموصوفة وإجراء فحوص دورية تقيس وظائف القلب والرئة والكيمياء الحيوية بانتظام. وتشمل الفحوص وجود اختبارات الدم والبول وتقييم وظائف الرئة والتأكد من صحة الأسنان، لأنها تؤثر على صحة القلب في بعض الحالات. وتساعد المتابعة المستمرة العائلات على معرفة علامات التدهور وتوقيت التدخل إذا ظهرت أعراض جديدة.
المضاعفات المحتملة
قد يؤدي وجود العيب إلى فشل القلب واضطرابات النظم وتكوّن الجلطات وتغيرات في الأداء البدني. كما قد يزداد الخطر بارتفاع ضغط الدم الرئوي وتؤثر المضاعفات القلبية المزمنة على وظائف الكلى والكبد والنمو العام. وتظل مخاطر المضاعفات قائمة وتزداد مع تعقيد العيب وغياب التدخل المناسب، ما يجعل الكشف المبكر والعلاج الفعّال أساسياً لتقليل الأذية على المدى الطويل. تبرز أهمية التنسيق المستمر بين اختصاصيي القلب ومختلف التخصصات الصحية لضمان رعاية متكاملة للجوانب الصحية للمصابين.
نصائح للوقاية
رغم أن بعض العيوب لا يمكن الوقاية منها بشكل كامل، يمكن تقليل المخاطر باتباع خطوات محددة. تروِّج النصائح بضرورة تجنب الأدوية الضارة أثناء الحمل واستشارة الطبيب واستخدام الاستشارات الوراثية عند وجود تاريخ عائلي لهذه العيوب. كما يُنصح بالإقلاع عن التدخين والتحكم في الحالات الصحية للأم مثل السكري والسمنة أثناء فترة الحمل. كما أن الرعاية الصحية الشاملة أثناء الحمل والالتزام بتوجيهات الطبيب تساهم في الكشف المبكر عن العيوب وتوفير الرعاية المناسبة قبل وبعد الولادة.




